عبد الوهاب الشعراني

75

تنبيه المغترين

في فرائضهم ، إذ النوافل حقيقة إنما تكون لمن كملت فرائضه كما أشار قوله سبحانه وتعالى : [ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ] « 1 » ، فذكر اللّه تعالى إنها نافلة له لكمال الخصائص وغيره أيضا وإن قدر أن أحدا من الأولياء أتى بعباداته على الكمال فذاك بحكم الإرث لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد رأيت في كلام بعض العلماء أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لا تعرض على اللّه تعالى صلاة أحد إلا بعد تكملتها له من نوافله أدبا مع اللّه تعالى ، وقد فعل جماعة الملوك مثل ذلك فيمن كان ببدنه عاهة مثلا فلا يعرضونه على السلطان أبدا صيانة له أن يقع بصره على ناقص ، وإن حدث ذلك في وزير أو دفتردار أو نحوهما عزلوه واستنابوا غيره وما جعله الناس أدبا مع الملوك فهو أدب مع اللّه تعالى ، فإن الشرع قد يتبع العرف في كثير من المسائل كما هو معلوم ، فاعلم ذلك واقتد بهم ، والحمد للّه رب العالمين . الهدية ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : عدم استشراف نفوسهم إلى هدية أحد جاء من الحجاز أو من الشام مثلا ، فلا يحدث أحدهم نفسه بأن فلانا سيهدي إلي شاشا أو مداسا أو فاكهة أو نحو ذلك أبد بل هم غافلون عن مثل ذلك ، وكذلك إذا أهدوا هم إلى أحد جاء من السفر المذكور شيئا ابتداء لا تحدثهم أنفسهم بأنه سيكافئهم على ذلك بل هم غافلون عن ذلك بالكلية وليس ذلك من باب سوء الظن بأخيهم إنما هو من باب ترك الطمع فهو وإن لزم من ظنهم بأخيهم إنه لا يكافئهم سوء الظن فليس ذلك مقصودا لهم ولا يؤاخذ الشخص إلا بما قصده . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى إذا سمع أحدا يذكر أشعب الطماع وإنه كان يفتش على الدخان يترحم عليه ويقول : إنه كان حسن الظن بجيرانه فجزاه اللّه تعالى خيرا يعني إنه محمود في ظنه الخير بالجيران وإن لزم منه الطمع ، فافهم واعلم أنه ينبغي لك إذا أرسلت هدية وعلمت من أخيك المكافأة عليها لما هو عليه من المعروف أن تخبره بذلك على لسان القاصد وتقول له قل لأخي فلان إن هذا أمر لا يستحق مكافأة عليك وقد أقسم عليك أخوك بعدم المكافأة فيه جبرا لخاطره وذلك لأجل أن يستريح من تعب المكافأة ولو لحظة . وقد أرسلت مرة لأخي الشيخ شمس الدين البرهمتوشي رحمه اللّه تعالى هدية قليلة ،

--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 79 .